فوزي آل سيف
83
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
وكان يريد الخلفاء أن يستفزوا الإمام الكاظم ليخرج مع الخارجين ويثور مع الثائرين وحينئذ يتم قتله بدم بارد ولن يجد من يرثيه بل إذا وُجد أحدٌ سيلومه على فعله! وهنا كان الإمام عليه السلام كاظمَ الغيظ، فلم يكن يرى أن يخاطر بنفسه لا ولا بشيعته وأنصاره في معركة وقودها الغيظ ومبعثها الانفعال ولم تكن سوى استجابة للاستفزاز. وبالرغم من أن الإمام عليه السلام قد دعي من الثائرين سواء في حركة محمد النفس الزكية أو حركة الحسين شهيد فخ للنهوض معهم إلا أنه لم يفعل ذلك، لا لأنه يرى صحة نهج الخلافة العباسية بل كان يراها ظالمة، ولكنه لم يكن ينهض على أثر استفزاز الخلفاء إياه، ففي أيام المنصور العباسي عندما نهض بنو الحسن الثلاثة (محمد وابراهيم وادريس) ولم ينهض معهم الإمام عليه السلام تمت معاتبته من قبل بعض أحفاد الإمام الحسن وأنه لماذا لم ينهض معهم؟ وربما كان مثل ذلك الخطاب مدفوعا من جهة السلطة أو كان بإمكانها الاطلاع عليه وهذا ما حدث بالفعل. فقد نقل في الكافي رواية، قال كتب يحيى بن عبد الله بن الحسن إلى موسى بن جعفر عليهما السلام “أما بعد فإني أوصي نفسي بتقوى الله وبها أوصيك فإنها وصية الله في الأولين ووصيته في الآخرين، خبرني من ورد عليّ من أعوان الله على دينه ونشر طاعته بما كان من تحننك مع خذلانك، وقد شاورت في الدعوة للرضا من آل محمد صلى الله عليه وآله وسلم وقد احتجبتها واحتجبها أبوك من قبلك وقديما ادعيتم ما ليس لكم وبسطتم آمالكم إلى ما لم يعطكم الله، فاستهويتم وأضللتم وأنا محذرك ما حذرك الله من نفسه”. فكتب إليه أبو الحسن موسى بن جعفر عليه السلام “من موسى (ابن)أبي عبد الله جعفر وعلي[169] مشتركين في التذلل لله وطاعته إلى يحيى بن عبد الله بن حسن، أما بعد فإني أحذرك الله ونفسي وأعلمك أليم عذابه وشديد عقابه، وتكامل نقماته، وأوصيك ونفسي بتقوى الله فإنها زين الكلام وتثبيت النعم، أتاني كتابك تذكر فيه أني مدع وأبي من قبل، وما سمعت ذلك مني وستكتب شهادتهم ويسألون ولم يدع حرص الدنيا ومطالبها لأهلها مطلبا لآخرتهم، حتى يفسد عليهم مطلب آخرتهم في دنياهم وذكرت أني ثبطت الناس عنك لرغبتي فيما في يديك وما منعني من مدخلك الذي أنت فيه لو كنت راغبا ضعف عن سنة ولا قلة بصيرة بحجة ولكن الله تبارك وتعالى خلق الناس أمشاجا وغرائب وغرائز، فأخبرني عن حرفين أسألك عنهما ما العترف في بدنك؟ وما الصهلج في الانسان؟ ثم اكتب إلي بخبر ذلك وأنا متقدم إليك أحذرك معصية الخليفة وأحثك على بره وطاعته وأن تطلب لنفسك أمانا قبل ان تأخذك الأظفار ويلزمك الخناق من كل مكان، فتروح إلى النفس من كل مكان ولا تجده، حتى يمنّ الله عليك بمنه وفضله ورقة الخليفة أبقاه الله فيؤمنك ويرحمك ويحفظ فيك أرحام رسول الله {وَٱلسَّلَٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰٓ ٤٧ إِنَّا قَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡنَآ أَنَّ ٱلۡعَذَابَ عَلَىٰ مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}.
--> 169 هكذا في بعض نسخ الكافي وأما في العوالم الإمام الكاظم ١/ ٣٦٧ فقد جاء في الهامش من محققه: «قوله: من موسى بن عبد الله: في بعض النسخ عبدي الله، وهو الأظهر. بأن يكون عليه السّلام ذكر في الكتاب انتسابه إلى الوالد الأكبر أيضا علي بن أبي طالب عليه السّلام. فقوله: مشتركين: على صيغة الجمع، وفي بعض النسخ أبي عبد الله، والمراد ما ذكرنا أيضا، وكذا على نسخة «عبد الله» أيضا بأن يكون الوصف بالعبودية مخصوصا بجعفر عليه السّلام. وقيل: كأنّه أشرك أخاه علي بن جعفر معه في المكاتبة ليصرف بذلك عنه ما يصرف عن نفسه وقوله: مشتركين على صيغة التثنية، منه أيضا».